ابن بسام

254

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

فصل في ذكر آخر أيام [ 1 ] أبي عامر ووفاته ، رحمه اللّه قال : ولما طال بأبي عامر ألمه ، وتزايد سقمه ، وغلب عليه الفالج الذي عرض له في مستهل ذي القعدة من سنة خمس وعشرين وأربعمائة ، لم يعدمه حركة ولا تقلّبا ، وكان يمشي إلى حاجته على عصا مرّة ، واعتمادا على إنسان مرّة ، إلى قبل وفاته بعشرين يوما ، فإنه صار حجرا لا يبرح ولا يتقلّب ، ولا يحتمل أن يحرّك لعظيم الأوجاع ، مع شدة ضغط الأنفاس وعدم الصبر ، حتى همّ بقتل نفسه ، وفي ذلك يقول من قصيدة [ 2 ] : أنوح على نفسي وأندب نبلها * إذا أنا في الضّرّاء أزمعت قتلها رضيت قضاء اللّه في كل حالة * عليّ وأحكاما تيقّنت عدلها أظلّ قعيد الدار تجنبني العصا * على ضعف ساق أوهن السقم رجلها وأنعى خسيسات ابن آدم عاملا * براحة طفل أحكم الضرّ نصلها ألا ربّ خصم قد كفيت ، وكربة * كشفت ، ودار كنت في المحل وبلها وربّ قريض كالجريض بعثته * إلى خطبة لا ينكر الجمع فصلها فمن مبلغ الفتيان أنّ أخاهم * أخو فتكة شنعاء ما كان شكلها عليكم سلام من فتى عضه الرّدى * ولم ينس عينا أثبتت فيه نبلها يبين وكف الموت تخلع نفسه * وداخلها حبّ يهوّن ثكلها ونقلت من خط الفقيه أبي محمد عليّ بن حزم الشافعيّ قال : كتب إليّ أبو عامر ابن شهيد في علّته التي اعتلّها بهذه الأبيات [ 3 ] : ولما رأيت العيش ولى برأسه * وأيقنت أن الموت لا شكّ لاحقي [ 4 ] تمنيت أنّي ساكن في غيابة * بأعلى مهبّ الريح في رأس شاهق أذر [ 5 ] سقيط الحبّ في فضل عيشة * وحيدا وحسي الماء ثني المفالق خليليّ من ذاق المنيّة مرّة * فقد ذقتها خمسين قولة صادق

--> [ 1 ] س : أمر . [ 2 ] ديوانه : 145 ( عن الذخيرة ) . [ 3 ] ديوانه : 133 ( عن الذخيرة ) . [ 4 ] تنفرد نسخة دار الكتب ببعض أبيات هذه القصيدة والقصائد التالية ، وتخل بها النسخة س . [ 5 ] يذر الحب : يأخذه بأطراف الأصابع .